عبد السلام محمد هارون ( اعداد )
132
نوادر المخطوطات
وشيء آخر يلمع لنا من ثنايا الخطبة ، فهذه الخطبة التي هي أشبه ما تكون بخطبة تقال في يوم الجمعة قد قيلت في مناسبة رسمية كما يقولون ، وكان من المتوقع فيها أن يثنى القوم على الأمير ويذكروا فضله وآلاءه ، وينوّهوا بيمن عهده وازدهار أيامه ، ولكن يبدو أن الطابع الديني كان غلّابا في ذلك الزمان ، والرهبة الدينية كانت لا تزال في قوّتها وسلطانها ، فإن القوم كانوا ينتهزون مختلف الفرص ليقوموا بواجب التذكير والوعظ ، والإرشاد والهداية . والناظر في خطب هذه الفترة يجد شبها كبيرا بين هذه الخطبة وخطبة عمر ابن عبد العزيز « 1 » ، وكذا بينها وبين خطبة سليمان بن عبد الملك « 2 » ، اجتمع فيها كلها التحذير من مفاتن الدنيا ، وتصوير نهاية الأحياء في ذل وهوان ، كما اشتملت على التنويه بفضل القرآن والحث على اتّباع آية وهديه ، كما اتفقت في الأسلوب المبنى على المزاوجة ، وظهور السجع اليسير في غير ما تعمّل . ابن زيدون وواصل بن عطاء : هما موقفان تاريخيان ، أما موقف واصل فقد ألقى الضوء عليه ، وأما موقف ابن زيدون فهو ذلك الموقف البياني الحرج الذي وقفه عند منصرف الناس وعظمائهم وكبرائهم من جنازة ابنته التي واراها التراب ، إذ نهض ونهض معه بيانه يشكر لهذا بقول غير ما يقوله لذاك ، فيقولون : إنه ما أعاد في ذلك الوقت عبارة لأحد . وهو عجيب حقا في ذلك الظرف الذي يغيض معه البيان ، ويهرب اللسان . قال الصفدي : « وهذا من التوسع في العبارة ، والقدرة على التفنن في أساليب الكلام « 3 » ، وهو أمر صعب إلى الغاية ، وأرى أنّه أشقّ مما يحكى عن واصل بن عطاء ، أنه ما سمعت منه كلمة فيها راء ، لأنه كان يلثغ بحرف الراء لثغة
--> ( 1 ) عيون الأخبار 2 : 246 . ( 2 ) عيون الأخبار 2 : 274 . ( 3 ) نفح الطيب 2 : 283 طبع ليدن . وقد نص المقرى أنه نقل كلام الصفدي ملخصا .